الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

561

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

سبب نزولها فهو من تجويز الاجتهاد للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم في الأحكام إذ قبل من ثقيف النزول على اقتضاء مالهم من الربا عند أهل مكة ، وذلك قبل أن ينزل قوله تعالى : وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا ؛ فيحتمل أنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم رأى الصلح مع ثقيف على دخولهم في الإسلام مع تمكينهم مما لهم قبل قريش من أموال الربا الثابتة في ذممهم قبل التحريم مصلحة ، إذ الشأن أنّ ما سبق التشريع لا ينقض كتقرير أنكحة المشركين ، فلم يقرّه اللّه على ذلك وأمر بالانكفاف عن قبض مال الربا بعد التحريم ولو كان العقد قبل التحريم ، ولذلك جعلهم على خيرة من أمرهم في الصلح الذي عقدوه . ودلت الآية على أنّ مجرد العقد الفاسد لا يوجب فوات التدارك إلّا بعد القبض ، ولذلك جاء قبلها « فله ما سلف » وجاء هنا وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا - إلى قوله - وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ . وهذه الآية أصل عظيم في البيوع الفاسدة تقتضي نقضها ، وانتقال الضمان بالقبض ، والفوات بانتقال الملك ، والرجوع بها إلى رؤوس الأموال أو إلى القيم إن فاتت ، لأنّ القيمة بدل من رأس المال . ورؤوس الأموال أصولها ، فهو من إطلاق الرأس على الأصل ، وفي الحديث « رأس الأمر الإسلام » . ومعنى لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ لا تأخذون مال الغير ولا يأخذ غيركم أموالكم . وقرأ الجمهور فَأْذَنُوا - بهمزة وصل وفتح الذال - أمرا من أذن ، وقرأه حمزة وأبو بكر وخلف فآذنوا بهمزة قطع بعدها ألف وبذال مكسورة - أمرا من آذن بكذا إذا أعلم به أي فآذنوا أنفسكم ومن حولكم . [ 280 ] [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 280 ] وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 280 ) عطف على قوله : فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لأنّ ظاهر الجواب أنّهم يسترجعونها معجّلة ، إذ العقود قد فسخت . فعطف عليه حالة أخرى ، والمعطوف عليه حالة مقدّرة مفهومة لأنّ الجزاء يدل على التسبّب ، والأصل حصول المشروط عند الشرط . والمعنى وإن حصل ذو عسرة ، أي غريم معسر .